أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
401
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فيها ، وأن تكون معربة ، ولهذا موضع أليق به في مريم . وفي الثاني جعلها استفهامية ، بدليل أنها ضمن الابتغاء معنى شيء يعلق ، وهو « يحرصون » فيكون « أَيُّهُمْ » مبتدأ ، و « أَقْرَبُ » خبره ، والجملة في محل نصب على إسقاط الخافض ، لأنّ « تحرص » يتعدى ب « على » قال تعالى : إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ - و أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى . وقال أبو البقاء : و « أَيُّهُمْ » مبتدأ ، و « أَقْرَبُ » خبره ، وهو استفهام في موضع نصب ب « يَدْعُونَ » ، ويجوز أن يكون « أيهم » بمعنى الذي ، وهو بدل من الضمير في « يَدْعُونَ » . قال الشيخ « 1 » : علّق « يَدْعُونَ » وهو ليس فعلا قلبيا ، وفي الثاني فصل بين الصلة ومعمولها بالجملة الحالية ، ولا يضر ذلك ، لأنها معمولة للصلة . قلت : أمّا كون « يَدْعُونَ » لا يعلق ، هو مذهب الجمهور ، وقال يونس : ويجوز تعليق الأفعال مطلقا القلبية وغيرها ، وأما قوله فصل بالجملة الحالية ، يعني بها « يَبْتَغُونَ » فصل بها بين « يَدْعُونَ » الذي هو صلة « الَّذِينَ » ، وبين معموله ، وهو « أَيُّهُمْ أَقْرَبُ » لأنه معلق عنه كما عرفته ، إلّا أنّ الشيخ لم يتقدم في كلامه إعراب « يَبْتَغُونَ » حالا ، بل لم يعربها إلّا خبرا للموصول ، وهذا قريب . وجعل أبو البقاء « أيّا » الموصولة بدلا من واو « يَدْعُونَ » . ولم أر غيره وافقه على ذلك ، بل كلهم يجعلونها بدلا من واو « يَبْتَغُونَ » وهو الظاهر . وقال الحوفي : « أَيُّهُمْ أَقْرَبُ » ابتداء وخبر ، والمعنى : ينظرون أيهم أقرب ، فيتوسلون به ، ويجوز أن يكون « أَيُّهُمْ أَقْرَبُ » بدلا من واو « يَبْتَغُونَ » . قلت : فقد أضمر فعلا معلقا وهو ينظرون ، فإن كان من نظر البصر تعدى ب « إلى » وإن كان من نظر الفكر تعدى ب « في » ، فعلى التقديرين الجملة الاستفهامية في موضع نصب بإسقاط الخافض . وهذا إضمار ما لا حاجة إليه . وقال ابن عطية : « و أَيُّهُمْ » ابتداء ، و « أَقْرَبُ » خبره . والتقدير : نظرهم ووكدهم أيّهم أقرب ، ومنه قول عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - : « فبات النّاس يدركون أيّهم يعطاها » . أي : يتبادرون في طلب القرب . قال الشيخ « 2 » : « فجعل المحذوف نظرهم ووكدهم ، وهذا مبتدأ ، فإن جعلت « أَيُّهُمْ أَقْرَبُ » في موضع نصب ب « نظرهم » ، بقي المبتدأ بلا خبر ، فيحتاج إلى إضمار خبر ، وإن جعلت « أَيُّهُمْ أَقْرَبُ » الخبر لم يصح ذلك ، لأن كائنا وحاصلا ليس ممّا يعلّق . « قلت : فقد تحصّل في الآية الكريمة ستة أوجه ، أربعة حال جعل « أيّ » استفهاما : الأول : أنها متعلقة للوسيلة ، كما قرّره الزمخشري . الثاني : أنها متعلقة ل « يَدْعُونَ » ، كما قال أبو البقاء . الثالث : أنها معلقة ل « ينظرون » مقدّرا كما قاله الحوفي . الرابع : أنها معلقة لنظرهم ، كما قدّره ابن عطية . واثنان حال جعلها موصولة ، الأول : البدل من واو « يَدْعُونَ » كما قدّره أبو البقاء . الثاني : أنها بدل من واو « يَبْتَغُونَ » كما قاله الجمهور . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 58 ] وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ( 58 )
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 52 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 52 ) .